هندسة الأجساد والمجال والرواية في الميدان السوري

 
مقدمة
لم نبدأ هذا البحث ونحن نعرف أننا نبحث في المسافة.
بدأنا من الجسد.
من أسئلة صغيرة، تكاد تبدو شخصية أكثر مما هي سياسية:
من يستطيع أن يقترب؟
من يستطيع أن يبتعد؟
من يستطيع أن يرفض اللمس؟
من يستطيع أن يتحرك؟
ومن يقرر أين يقف؟
 
ثم بدأت المسافة تظهر.
 
لم تعد مجرد فراغ بين جسدين، أو طريق بين منطقتين، أو حدود تفصل مكاناً عن آخر. بدأت تظهر بوصفها شيئاً يمكن تنظيمه، هندسته، تضييقه، فتحه، إغلاقه، أو إعادة تعريفه.
ومن هنا جاءت المقالة التأملية الأولى.
كانت محاولة للتفكير في المسافة بوصفها مجالاً للإمكان والوكالة: المجال الذي يستطيع فيه الجسد أن يقترب أو يبتعد أو يتحرك أو يرفض أو يختار موقعه.
وكان سؤالنا الأول بسيطاً: من يملك حق هندسة المسافة؟
ليست المسألة فقط كم تبعد الأشياء عن بعضها، بل من يستطيع تغيير المسافة، ومن يستطيع رفضها، ومن يدفع ثمن رفضها. فالقدرة على هندسة المسافة قد تكون، جزئياً، قدرة على هندسة مجال الفعل نفسه.
 
لكن المقالة لم تكن نتيجة بحث مكتمل. كانت نقطة خروج.
خرجنا من الفكرة إلى الميدان ونحن لا نعرف إن كان الميدان سيؤكدها أم يفسدها.
وهذا ما أردناه.
 
لكن الميدان لم يؤكد الفرضية بصورتها الأولى. بل أربكها ووسّعها. فقد أظهر أن المسافة ليست فقط شيئاً يُفرض على الأجساد والأماكن، وإنما قد تصبح نفسها موضوعاً للصراع.
 
بدأنا نراقب المسافة بين الأجساد، والمسافة بين المناطق، والمسافة داخل صورة السلطة نفسها. لاحظنا الحواجز والطرق، الحركة والمنع، الفصل بين الأجساد، تنظيم لباس النساء، الانتقال بين مواقع القوة والمؤسسات الرسمية، وتضارب الروايات حول ما إذا كان الطريق مفتوحاً أو مغلقاً، وما إذا كانت منطقة ما محاصرة أو غير محاصرة، وما إذا كان ما يحدث منعاً أم مجرد تنظيم.
 
شيئاً فشيئاً، لم يعد الميدان يملأ المفهوم بأمثلة.
بدأ يغيّره.
اكتشفنا أن المشكلة ربما ليست في المسافة نفسها.
فالمسافة لا تنتج العنف بذاتها، وأن وجود الفصل أو البعد لا يكفي لوصفه بأنه عنف.
ما ظهر لنا هو احتمال آخر: أن الصراع على هندسة المسافة وإدارتها وتغييرها قد يتحول إلى موقع لإنتاج الإكراه أو الحرمان أو الإقصاء أو عدم اليقين، وأن الصراع قد لا يتوقف عند محاولة التحكم بالمسافة، بل قد ينتقل إلى محاولة احتكار الطريق، أو الوصول، أو الحركة، أو حتى احتكار حق تسمية ما يحدث.
 
عندها ظهرت طبقة أخرى لم تكن واضحة في البداية:
الطريق ليس فقط مفتوحاً أو مغلقاً.
هناك أيضاً صراع على رواية الطريق.
والمنطقة ليست فقط محاصرة أو غير محاصرة.
هناك صراع على من يملك حق تسمية ما يحدث حصاراً.
 
والقرار الذي يمس جسد المرأة قد يُعاش بوصفه منعاً، بينما يُعاد تعريفه رسمياً بوصفه تنظيماً للمظهر.
هنا بدأنا نفهم أن الصراع على المسافة يمكن أن يصبح أيضاً صراعاً على حقيقة المسافة.
ومن هذه النقطة انتقل البحث مرة أخرى.
 
لم نعد نسأل فقط: من يملك القدرة على فتح المسافة أو إغلاقها؟
بل:
من يملك حق تعريفها؟
ومن يستطيع أن يقول إن هذه المسافة موجودة أصلاً؟
ومن يستطيع إنكارها؟
ومن يستفيد من هذا الإنكار؟
وماذا يحدث للجسد عندما يعيش داخل مسافة متنازع عليها، بينما تتنازع الأطراف نفسها على تفسير وجودها؟
 
ثم وجدنا أنفسنا أمام مسافات لم تعد منفصلة كما بدت في البداية.
المسافة بين الأجساد يمكن أن تصبح مسافة معرفية.
المسافة بين المناطق يمكن أن تصبح مسافة في الوصول إلى التعليم والمعلومة والغذاء.
المسافة داخل صورة السلطة يمكن أن تنتج عدم يقين حول من يقرر ومن يملك القوة.
والصراع على أي واحدة منها قد ينتقل إلى الأخرى.
في هذه النقطة تحديداً، قررنا ألا نغلق البحث.
 
فالميدان لم يعطنا نظرية المسافات.
أعطانا شيئاً أكثر إزعاجاً:
مسافات متداخلة، متحركة، ومتنازعاً عليها.
تقترح الورقة، بناءً على الملاحظات الميدانية، قراءة المسافة عبر ثلاثة مستويات مترابطة: المسافة بين الأجساد، والمسافة الجغرافية، والمسافة داخل بنية السلطة نفسها، مع اعتبار السرد طبقة مشتركة تعبر المستويات الثلاثة.
ولا تقدم الورقة «نظرية للمسافة» مكتملة، بل تقدم مفهوماً أعاد الميدان تشكيله، وتترك أسئلة محددة للعودة إلى الميدان.
 
ومن هنا بدأ الحوار بين الفكرة والميدان.
لا ننطلق من المفهوم لنثبت وجوده في الواقع، ولا من الميدان لنحوّله فوراً إلى نظرية.
نعود ذهاباً وإياباً.
نضع الفكرة أمام الملاحظة، ثم نعيد الملاحظة إلى الفكرة، ونرى ما الذي يبقى وما الذي يسقط وما الذي يظهر للمرة الأولى.
 
 
الكلمات المفتاحية: المسافة، الوكالة الجسدية، الجسد، هندسة المسافة، المسافة المعرفية، السلطة، الرواية، العنف، السويداء، الجسد السياسي، سوما-فيمينزم.
 

1. من الجسد إلى المسافة
بدأت الفكرة من الجسد.
ليس الجسد بوصفه حدوداً بيولوجية، بل بوصفه مجالاً يعيش العلاقات، ويشعر بها، ويتحرك داخلها، ويتعلم حدودها.
في مشروع «سوما-فيمينزم»، لا يُقرأ الجسد بوصفه موضوعاً للسلطة فقط، بل بوصفه موقعاً يمكن من خلاله ملاحظة كيف تصبح السلطة محسوسة في الحركة، والخوف، والحدود، والمسافة، وما يستطيع الإنسان فعله أو لا يستطيع فعله.
 
من هنا ظهرت المسافة بوصفها سؤالاً عن الوكالة.
 
المسافة بين جسدين ليست مجرد عدد من الأمتار. قد تكون القدرة على الاقتراب دون خوف، أو الابتعاد دون عقاب، أو رفض اللمس، أو طلب القرب، أو تغيير المكان، أو الظهور أو الاختفاء. ولهذا يمكن أن تصبح المسافة مجالاً للإمكان: مجالاً لما يستطيع الجسد أن يفعله.
 
لكن هذا لا يعني أن كل تنظيم للمسافة عنف.
هناك مسافة نختارها.
ومسافة نحمي بها أنفسنا.
ومسافة نتركها للآخر اعترافاً بحدوده.
 
تبدأ المشكلة عندما يفقد الجسد القدرة على التفاوض على مسافته؛ عندما تصبح المسافة مفروضة ولا يمكن تغييرها أو رفضها إلا بثمن.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال:
كم تبعد؟
بل:
من يستطيع تغيير هذه المسافة؟
 

2. من المسافة إلى هندسة المسافة
إذا كانت المسافة تحدد، ولو جزئياً، ما يستطيع الجسد فعله، فإن هندسة المسافة تصبح، جزئياً، هندسة لمجال الفعل.
لكن مفهوم «الهندسة» هنا لا يشير فقط إلى قرار رسمي أو حاجز مادي.
قد تُهندس المسافة بواسطة قانون، أو قاعدة اجتماعية، أو طريق، أو حاجز، أو خوف، أو خطاب، أو تصنيف، أو توقع مسبق لما ينبغي أن يفعله الجسد.
 
وقد تصبح القاعدة الخارجية، مع التكرار، توقعاً داخلياً:
أين أقف؟
من أقترب منه؟
أي طريق أسلك؟
متى أتوقف؟
ما الذي لا ينبغي أن أسأل عنه؟
وما الذي لا ينبغي أن أحاول الوصول إليه؟
 
بهذا المعنى، لا تحتاج السلطة دائماً إلى أن تفرض المسافة في كل لحظة. يمكن أن تتحول المسافة المفروضة إلى عادة، والحذر إلى سلوك، والسلوك إلى معرفة مسبقة بما هو ممكن وما هو غير ممكن.
وهذه الفكرة تتصل مباشرة بمنهج المشروع الذي ينظر إلى الجسد بوصفه موقعاً يمكن أن تصبح فيه علاقات القوة محسوسة ومتكررة وغير مرئية، دون افتراض مسبق أن كل أثر جسدي هو عنف. 
 
لذلك لا تقول الورقة إن إدارة المسافة عنيفة.
بل تسأل:
متى تتحول إدارة المسافة من تنظيم للعلاقة إلى تقليص للوكالة؟
  

3. حين أربك الميدان المفهوم
دخلت إلى الميدان بثلاث مساحات ملاحظة:
 
1. المسافة بين الأجساد.
2. المسافة الجغرافية.
3. المسافة داخل النظام نفسه.
 
لم تكن هذه المساحات نتائج مسبقة، ولم يكن معلوماً أنها تنتمي إلى بنية واحدة. كان الهدف أن تدخل الملاحظة قبل التسمية، وأن يسمح البحث للميدان بإعادة تشكيل المفهوم بدل أن يستخدم المفهوم لإثبات ما افترضه مسبقاً.
وهذا ما حدث بالفعل.
فالميدان لم يسمح لي بالقول إن المسافة هي موضوع الصراع وحده.
بدأ يظهر شيء آخر:
الصراع قد يكون على من يملك حق هندسة المسافة، وتغييرها، وتسميتها.
وهنا حدث التحول النظري الأساسي في الورقة.
لم تعد المسافة مجرد نتيجة لعلاقة قوة.
قد تصبح موضوعاً لعلاقة القوة نفسها.

 
4. المسافة بين الأجساد: حين يصبح الجسد مجالاً للتنظيم
في الميدان السوري ظهرت تدخلات متفرقة ومتفاوتة في تنظيم حضور النساء والرجال في المجال العام وبعض المؤسسات. وتشير الملاحظات إلى أن بعض ممارسات الفصل أو القيود لم تكن في مرحلة معينة نظاماً موحداً مفروضاً على البلاد كلها، كما تراجعت بعض الإجراءات بعد اعتراضات عامة.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تمنعنا من القفز إلى نتيجة جاهزة.
السؤال ليس:
هل كل فصل بين الأجساد عنف؟
بل:
من يقرر المسافة بين الأجساد؟
 
ومن يستطيع تغييرها؟
ومن يستطيع رفضها؟
وماذا يحدث عندما يعترض المجتمع على تعريف السلطة للجسد المقبول؟
 
هنا تظهر أهمية التمييز بين المنع والتنظيم، ليس لكي نصدق رواية دون أخرى، بل لكي ندرس كيف تصبح تسمية الفعل نفسها جزءاً من الصراع.
فإذا قيل إن الفعل «منع»، فإن العلاقة مع الجسد تبدو مختلفة عن قولنا إنه تنظيم للمظهر أو تنظيم إداري.
 
المسافة هنا ليست فقط بين جسدين.
إنها أيضاً بين الجسد والسلطة، وبين الفعل واسمه.
وهذا يقودنا إلى مستوى آخر من المسافة:
المسافة المعرفية.
 

5. من المسافة الجسدية إلى المسافة المعرفية
طرحت الملاحظات الميدانية الأولى احتمالاً يحتاج إلى اختبار: هل يمكن لإعادة تنظيم اللقاء بين الأجساد أن تنتج، بمرور الوقت، مسافة في المعرفة؟
قلة اللقاء قد تعني قلة المعلومات المباشرة.
وقلة المعلومات المباشرة قد تزيد الاعتماد على الصور والخطابات والتصنيفات.
وهذا قد يزيد احتمالات سوء القراءة.
 
لا تقدم الورقة هذا التسلسل بوصفه قانوناً سببياً، بل بوصفه مساراً بحثياً محتملاً.
لكن أهميته تكمن في أنه يوسع معنى المسافة.
 
فالمسافة يمكن أن تكون:
جسدية — من يلتقي بمن؟
جغرافية — من يستطيع الوصول إلى أين؟
 
معلوماتية — من يعرف ماذا؟
معرفية — من يستطيع أن يعرف الآخر مباشرة، ومن يعتمد على رواية عنه؟
سياسية — من يملك حق تفسير ما يحدث؟
وهنا تبدأ المسافة في التحول من فراغ بين الأشياء إلى علاقة تنتج إمكانات مختلفة للمعرفة والفعل.
 

5.من القرار إلى الاختبار الاجتماعي
السؤال لم يعد فقط:
كيف يُعاد تنظيم المسافة بين الرجال والنساء؟
بل أصبح:
كيف تُعاد هندسة المسافة بين الأجساد، ولماذا تتكرر محاولات تنظيمها؟
يكشف تتبع الجدول الزمني للميدان عن نمط لا يظهر في القرار المفرد وحده: محاولات متكررة وسريعة لتنظيم اللباس أو الفصل بين الجنسين، يتبع بعضها تراجع، ثم تعود محاولة التنظيم في صورة أخرى.
إنها حركة من القرار إلى التراجع إلى إعادة المحاولة؛ نوع من الكرّ والفرّ حول حدود ما يمكن فرضه وما يمكن قبوله.
 
وهنا تتحول ملاحظتنا من سؤال: ما القرار الذي صدر؟ إلى سؤال آخر:
ما الذي يجري اختباره من خلال تتابع هذه القرارات؟
الميدان هنا صراحاً نقل تركيزنا من «القرار» إلى عملية اختبار اجتماعي مستمرة.
يمكن قراءة هذا التتابع، بوصفه فرضية ميدانية، باعتباره اختباراً اجتماعياً مستمراً ومتكرراً لحدود القبول لدى المجتمع:
إلى أي مدى يمكن إعادة تنظيم المسافة بين الأجساد؟ متى يظهر الاعتراض؟ ما الذي يدفع إلى التراجع؟ وما الذي يجعل محاولة التنظيم تعود مرة أخرى؟
 
بهذا المعنى، لا يعود الجسد مجرد متلقٍّ لقرار يُفرض عليه من الخارج. إنه المكان الذي تظهر عليه نتيجة الصراع حول المسافة. فاللباس، والحركة، والقرب، والفصل، والحضور في المكان العام، تصبح كلها مواضع يمكن أن نرى من خلالها كيف يجري التفاوض على حدود الوكالة الجسدية.
وهذا يقترح نقل العدسة من القرار بوصفه حدثاً إلى التتابع بوصفه عملية:
محاولة ← استجابة ← تراجع ← إعادة محاولة.
ومن هنا يصبح الكرّ والفرّ نفسه مادة ميدانية، لا مجرد خلفية للقرار.
وهنا يمكن أن نصل إلى هذا السؤال:
ما الذي يعنيه هذا التتابع بالنسبة إلى مفهوم المسافة؟
لا تكشف الملاحظة فقط عن محاولة تنظيم المسافة بين الأجساد، بل عن صراع متكرر حول من يملك حق هندستها، ومدى قدرة هذا التنظيم على الاستمرار.
 

6. المسافة الجغرافية: عندما يصبح الطريق شرطاً للمعرفة والمستقبل
في الحالة السورية، وخصوصاً في تجربة السويداء، تصبح المسافة الجغرافية أكثر من مسألة مكانية.
 
فالطريق قد يكون شرطاً للوصول إلى الجامعة.
والجامعة شرطاً لاستمرار التعليم.
والامتحان شرطاً للانتقال إلى مرحلة أخرى.
والمعلومة نفسها قد تحتاج إلى طريق كي تصل.
والدواء والطعام والوقود تحتاج أيضاً إلى نقاط عبور.
لذلك بدأت الملاحظات تتبع سلسلة:
الجسد ← الحركة ← الطريق ← الجامعة ← الامتحان ← المستقبل.
 
وهنا تتضح إحدى أهم نتائج البحث:
عندما تُعاد هندسة المسافة الجغرافية، قد لا يتغير المكان فقط؛ قد تتغير الإمكانات التي يملكها الجسد داخله.
 
وتظهر السويداء بوصفها حالة اختبار مهمة لهذا الانتقال.
ففي عام 2026 تعطل وصول آلاف الطلاب إلى امتحاناتهم وسط خلاف على مكان الامتحانات وأمن الوصول، وتداخلت في ذلك مخاوف الطلاب والأهالي، ومواقف السلطات، والقوى المحلية. وتفيد أحدث التقارير بأن 150 طالباً فقط من أصل 13,700 طالب في المحافظة تمكنوا من إكمال امتحاناتهم خلال عام 2026، بحسب أرقام حكومية نقلتها رويترز.
كما أشارت رويترز إلى أن مقترحات إجراء الامتحانات داخل مناطق تسيطر عليها الحكومة قوبلت بمخاوف من بعض الأسر، بينما قالت جهة حكومية إن مجموعات مسلحة هاجمت حافلات الطلاب، وهي واقعة قالت رويترز إنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة.
reuters
 
ما يهم هذه الورقة ليس اتخاذ موقف من طرف في هذا النزاع، بل ملاحظة كيف انتقل الصراع السياسي إلى سؤال مادي عن الحركة.
من يستطيع الوصول؟
إلى أين؟
عبر أي طريق؟
وتحت أي سلطة؟
وبأي درجة من الأمان؟
 
عند هذه النقطة لا يعود الطريق مجرد طريق.
إنه يصبح شرطاً للوصول إلى حق آخر.
ولهذا يمكن أن يتحول احتكار إدارة المسافة إلى إعادة توزيع للفرص نفسها.
 
 
7. من يملك الطريق؟
هنا تظهر نتيجة ثانية.
ليست المسألة فقط أن الطريق مغلق أو مفتوح.
بل:
من يملك حق فتحه وإغلاقه وتغييره؟
تظهر الملاحظات الميدانية حول السويداء نقاطاً متكررة تتعلق بالحواجز، وحركة الحافلات، ودخول السلع والوقود، مع اختلاف في الروايات حول طبيعة هذه الإجراءات وما إذا كانت تمثل حصاراً أو قيوداً على الحركة.
 
وهنا يصبح من الصعب فصل الواقع المادي عن الواقع السياسي.
فإذا كان الطريق مفتوحاً مادياً، لكن الوصول إليه محفوف بالخوف أو غير متاح لفئة معينة، فهل يكون «مفتوحاً» بالمعنى السياسي؟
وإذا كان الطريق مغلقاً في نقطة، بينما يُسمح بالمرور من نقطة أخرى، فما الذي تعنيه كلمة «مفتوح»؟
 
بهذا المعنى، لا تتعلق المسافة فقط بموقع الحاجز.
إنها تتعلق أيضاً بسلطة الحاجز على تعريف الحركة نفسها.
 

8. الصراع على المسافة يتحول إلى صراع على رواية المسافة
هنا أعتقد أن الميدان دفع المفهوم إلى أبعد نقطة وصل إليها حتى الآن.
فالصراع لا يجري فقط على الطريق.
بل قد يجري على حقيقة الطريق.
هل هو مفتوح أم مغلق؟
هل المنطقة محاصرة أم أن الحركة مقيدة فقط؟

هل القرار منع أم تنظيم؟
هل السلطة واحدة أم متعددة؟
من أصدر القرار؟
ومن يملك القدرة الفعلية على تنفيذه؟
هذه الأسئلة ليست لغوية فقط.
لأن تسمية المسافة يمكن أن تؤثر في كيفية فهمها، وبالتالي في كيفية الاستجابة لها.
 
وقد ظهر في المادة الميدانية أكثر من مرة اختلاف بين روايات تصف الوضع في السويداء بأنه حصار، وروايات رسمية تنفي وجود حصار وتؤكد أن الطريق مفتوح.
 
لذلك تقترح الورقة مفهوماً إضافياً:
الصراع على رواية المسافة.
 
وهو لا يعني افتراض أن إحدى الروايات «كاذبة» والأخرى «صحيحة» مسبقاً.
بل يعني دراسة الحالة التي يصبح فيها تعريف المسافة نفسه جزءاً من الصراع على إدارتها.
 
وهنا تصبح المسافة ذات واقعين متداخلين:
واقع مادي: الطريق، الحاجز، الحركة، الوصول.
وواقع روائي/سياسي: ماذا نسمي ما يحدث؟ ومن يملك حق تسميته؟
ولا يمكن دائماً فصل الاثنين.
 

9. المسافة داخل السلطة نفسها
المساحة الثالثة أكثر إرباكاً.
 
فالميدان أظهر انتقال أشخاص ومؤسسات وفاعلين من مواقع سابقة إلى مؤسسات الدولة الجديدة، وهو أمر يمكن توثيق بعضه، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج استمرارية مؤسسية أو قطيعة كاملة.
 
لذلك لا تقترح الورقة أن السلطة «منقسمة» بصورة نهائية.
لكنها تلاحظ وجود مسافة تستحق البحث:
بين المؤسسة ومن يمارس القوة فعلياً.
بين الخطاب الرسمي والممارسة.
بين الجهة التي يُفترض أنها صاحبة القرار والجهة التي يعرف الناس أنها تستطيع التأثير فيه.
بين من يملك القرار قانونياً ومن يملك القدرة على تنفيذه على الأرض.
وهنا يمكن أن يصبح عدم اليقين نفسه موضوعاً للبحث.
ليس المقصود أن عدم اليقين أداة سيطرة دائماً.
بل السؤال:
ماذا يحدث عندما لا يعرف الجسد بوضوح من يملك القدرة على تغيير المسافة التي يعيش داخلها؟
 
إذا كان الإنسان لا يعرف من يستطيع فتح الطريق أو إغلاقه، أو من يملك القرار، فقد لا ينتظر القرار أصلاً.
قد يبدأ في تنظيم حركته بناءً على الاحتمال.
وهذا يعيدنا إلى الجسد.
وهنا نستذكر من مقالتنا التأملية: إذا لم أعد أعرف من صاحب القرار، فقد فُقد احتمال التصرف على أساس معرفة.
 

10. عندما تدخل المسافة إلى الجسد
هذه، ربما، هي النقطة التي يلتقي عندها الميدان مع المنطلق الأول للمشروع.
 
المسافة تبدأ خارج الجسد:
طريق.
حاجز.
حدود.
فصل.
مؤسسة.
قرار.
 
لكن أثرها قد ينتهي داخل الجسد:
تردد.
تجنب.
خوف.
امتناع عن الحركة.
اختيار طريق أطول.
عدم الذهاب إلى الجامعة.
عدم دخول الامتحان.
عدم السؤال.
 
وهنا لا نقول إن الجسد «يعيد إنتاج العنف» بصورة آلية، ولا نحمل الفرد مسؤولية العنف الذي فُرض عليه.
 
بل نسأل كيف يمكن لبيئة منظمة بالخوف أو عدم اليقين أو القيود أن تجعل بعض الخيارات تبدو غير ممكنة قبل أن يصدر أمر مباشر.
وهذا يتقاطع مع سؤال المشروع المؤسس: كيف تتحول علاقات السلطة من شيء يحدث للجسد إلى شيء يصبح محسوساً في ممارساته اليومية وحدود إمكانه؟
 
 
11. ما الذي تغيّر في مفهوم المسافة؟
في بداية البحث كانت الفكرة:
المسافة هي مدى الإمكان.
لا تزال هذه الجملة صالحة، لكنها لم تعد كافية.
لأن الميدان أضاف إليها سؤالاً أكثر سياسية:
من يملك القدرة على هندسة مدى الإمكان؟

ثم أضاف سؤالاً ثالثاً:
ومن يملك حق تسمية هذا المدى؟
وهكذا أصبح المفهوم يتحرك من:
المسافة ← الوكالة
إلى:
هندسة المسافة ← توزيع الوكالة
ثم إلى:
الصراع على هندسة المسافة ← الصراع على توزيع الوكالة
وأخيراً:

الصراع على رواية المسافة ← الصراع على تفسير الواقع الذي تتحرك فيه الوكالة.
وهذا هو المثلث الذي تقترحه الورقة:
المسافة — السلطة — الرواية
ليست ثلاثة موضوعات منفصلة.
بل ثلاثة مستويات يمكن أن تتداخل في الفعل نفسه.
 
 
12. نحو فهم مختلف للعنف
لا تقترح هذه الورقة أن المسافة تنتج العنف.
فالمسافة قد تحمي.
وقد تكون اختياراً.
وقد تكون شرطاً للحدود والاستقلال.
وقد يكون الابتعاد فعل وكالة، لا علامة على القمع.
لذلك فإن السؤال الأدق هو:
متى تصبح هندسة المسافة وسيلة لتقليص إمكان الفعل؟
يمكن أن يحدث ذلك عندما:
يُمنع الجسد من تغيير المسافة.
يصبح العبور متاحاً لبعض الأجساد دون غيرها.
تصبح الحركة مشروطة بموافقة جهة لا يستطيع الجسد التفاوض معها.
يتحول الخوف إلى تنظيم مسبق للحركة.
 
يصبح الوصول إلى التعليم أو الغذاء أو المعلومة مرتبطاً بالقدرة على عبور مسافة معينة.
يصبح تعريف المسافة نفسها موضع نزاع بحيث يصعب الاتفاق حتى على وصف ما يحدث.
وعليه، فإن الاقتراح النظري الأكثر حذراً الذي تصل إليه الورقة هو:
 
لا تنتج المسافة العنف بذاتها؛ لكن الصراع على هندستها وإدارتها وتغييرها قد يتحول إلى موقع لإنتاج الإكراه أو الحرمان أو الإقصاء أو عدم اليقين.
وهذه ليست نتيجة نهائية، بل صياغة مؤقتة أنتجها احتكاك المفهوم بالميدان.
 
 
13. المسافة غير المعترف بها
يظهر من هذا البحث سؤال أعمق.
هل يمكن أن توجد مسافة مادية واضحة، لكن لا يوجد اعتراف سياسي بها؟
قد يكون الطريق صعب العبور، لكن جهة ما تقول إنه مفتوح.
وقد تكون الحركة ممكنة نظرياً، لكنها غير ممكنة فعلياً لفئة معينة.
وقد توجد قيود محسوسة، لكن الخلاف يتحول إلى سؤال:
هل هذه القيود موجودة أصلاً؟
عندها لا يعود الصراع فقط على إزالة المسافة.
بل يصبح الصراع على إثبات وجودها.
وهنا ربما تكون إحدى أهم الإضافات التي يقدمها هذا البحث إلى مفهوم المسافة:
قد تكون المسافة نفسها بحاجة إلى الاعتراف كي تصبح حقيقة سياسية.
 
وهذا لا يعني أن الواقع المادي يعتمد على الرواية كي يوجد.
بل يعني أن أثره السياسي، وإمكان مساءلته، والقدرة على المطالبة بتغييره، قد تتأثر بمن يملك حق الاعتراف به وتسميته.
 

14. العدسة الجندرية: هل تتوزع الوكالة بالتساوي؟
إذا كانت المسافة، كما اقترح هذا البحث، مجالاً للإمكان والوكالة، فإن السؤال الجندري لا يمكن أن يضاف إلى البحث بوصفه سؤالاً عن «وجود النساء» في مواقع السلطة أو غيابهن عنها.
السؤال الأعمق هو:
هل تملك الأجساد المختلفة القدرة نفسها على هندسة المسافة التي تعيش داخلها؟
 
فالمساواة الجندرية، في هذا البحث، ليست خانة إضافية في جدول الفاعلين.
إنها اختبار للمفهوم نفسه.
 
إذا كانت المسافة تحدد إمكان الحركة والاقتراب والانسحاب والرفض والوصول، فإن اختلاف القدرة على ممارسة هذه الأفعال يعني أن مجال الإمكان نفسه قد يكون موزعاً بصورة غير متساوية.
 
وهنا تصبح الأسئلة أكثر تحديداً:
من يملك المسافة؟
من يستطيع تغييرها؟
من يستطيع رفضها؟
من يدفع كلفة تغييرها؟
وهل تختلف الإجابة باختلاف الجندر؟
حتى الآن كنا نستخدم الجندر داخل مسافة الأجساد بصورة أساسية. الآن علينا تمريره عبر المسافات الثلاث كلها.
 
14.1 المسافة بين الأجساد
في المادة الميدانية تظهر وقائع تتعلق بالفصل بين النساء والرجال، وتنظيم بعض أشكال الحضور والمظهر والعمل داخل المؤسسات، مع وجود حالات تراجعت فيها إجراءات بعد اعتراضات عامة.
لكن لا يكفي أن نقول إن القاعدة تطبق على النساء والرجال.
فالمساواة الشكلية في القاعدة لا تعني بالضرورة مساواة في الوكالة.
قد تكون القاعدة واحدة، لكن كلفة خرقها مختلفة.
وقد يكون الحق في الحركة متاحاً نظرياً للطرفين، بينما يكون أحدهما أكثر مراقبة، أو أكثر عرضة للعقوبة، أو أقل قدرة على الاعتراض.
 
لذلك لا تسأل العدسة الجندرية هنا:
هل فُرضت قاعدة على النساء فقط؟
بل:
من يملك القدرة على التفاوض معها؟
من يُطلب منه أن يغطي جسده؟
من يُراقب مظهره؟
من يُعاقب اجتماعياً إذا خالف المسافة المقبولة؟
ومن يستطيع أن يتحرك في المجال دون أن يتحول جسده نفسه إلى موضوع للمراقبة؟
وهل يستطيع الجسد الأنثوي أن يقترب، أو يبتعد، أو يرفض، أو يغيّر موقعه بالكلفة نفسها التي يستطيع بها الجسد الذكوري ذلك؟
 
هذه ليست نتيجة نستطيع إعلانها بعد.
إنها نقطة يجب أن يبقى عليها الميدان مفتوحاً.
 
14.2 المسافة الجغرافية: من يستطيع المغادرة؟
تبدو المسافة الجغرافية في ظاهرها محايدة:
طريق، حاجز، منطقة، نقطة عبور.
لكنها لا تقع على أجساد محايدة.
إذا أُغلقت طريق أو أصبحت الحركة فيها خطرة، فقد لا تكون كلفة ذلك متساوية بين النساء والرجال.
من يستطيع المغادرة؟
ومن يبقى؟
من يستطيع أن يتحرك وحده؟
ومن يحتاج إلى مرافق؟
من يتحمل مسؤولية الأطفال أو كبار السن أو المرضى عندما تتعطل الحركة؟
ومن يستطيع تحمل المخاطرة؟
بهذا المعنى، لا يكفي أن نسأل:
هل الطريق مفتوح؟
بل:
لمن هو مفتوح؟ وبأي كلفة؟
 
وهذه النقطة مهمة جداً بالنسبة إلى نظرية المسافة، لأن الطريق قد يكون مفتوحاً مادياً، لكن مجال الإمكان الذي يتيحه قد لا يكون متساوياً بين الأجساد.
 
14.3 المسافة داخل السلطة: من يستطيع الانتقال؟
هنا تصبح المادة المتعلقة بالفاعلين الذين انتقلوا من مواقع سابقة إلى مواقع رسمية شديدة الأهمية.
لدينا في الجدول انتقالات قابلة للرصد:
محمد البشير من رئاسة حكومة الإنقاذ في إدلب إلى رئاسة الحكومة الانتقالية.
مرهف أبو قصرة من قيادة عسكرية سابقة إلى وزارة الدفاع.
أنس خطاب من موقع أمني/جهادي سابق إلى قيادة الاستخبارات ثم وزارة الداخلية.
ونذير القادري من وزارة التربية في حكومة الإنقاذ إلى وزارة التربية في الحكومة الانتقالية. 
والجدول نفسه يتعمد الحذر من القول إن «صورتهم تغيّرت»؛ فنحن لا نعرف بعد كيف تغير إدراك المجتمع لهم أو إدراكهم لأنفسهم. ما نملكه أولاً هو شيء أكثر قابلية للرصد: الموقع تغيّر.
وهنا تدخل العدسة الجندرية من باب مختلف.
لا نسأل:
أين النساء في قائمة المناصب؟
فقط.
بل نسأل:
من يستطيع أن يحمل تاريخاً سابقاً من القوة إلى موقع جديد، ثم يعيد تعريف موقعه؟
ومن يستطيع الانتقال من:
فاعل مسلح ← مسؤول دولة
فاعل أمني ← مؤسسة رسمية
إدارة محلية ← سلطة سيادية
دون أن يفقد جسده قابلية الحركة داخل بنية السلطة؟
وهنا تظهر فرضية بحثية شديدة القوة:
قد لا تكون قابلية الانتقال بين مواقع السلطة موزعة بالتساوي بين الأجساد.
 
14.4 أبو قصرة: الجندر بوصفه سؤالاً عن قابلية الجسد لحمل السلطة
في حالة مرهف أبو قصرة، لا يكون السؤال الجندري:
«لماذا لا توجد امرأة في هذا الموقع؟»
هذا سؤال تمثيل، وهو مهم، لكنه ليس السؤال الذي يخص هذه الورقة مباشرة.
السؤال الأعمق هو:
ما أنواع السلطة التي يستطيع جسد معين أن يحملها معه عندما ينتقل من موقع إلى آخر؟
 
انتقل فاعل عسكري من قيادة تنظيم مسلح إلى موقع رسمي مسؤول عن المؤسسة العسكرية للدولة. وهذه واقعة انتقال في الموقع يمكن رصدها، أما أثرها على شرعية الجسد أو إدراكه اجتماعياً فيحتاج إلى بحث مستقل.
لكن العدسة الجندرية تفتح سؤالاً آخر:
هل توجد أجساد تستطيع أن تنتقل من تاريخ مسلح إلى موقع المؤسسة بسهولة أكبر من أجساد أخرى؟
هل يستطيع الرجل أن يعيد تعريف علاقته بالسلطة بعد الانتقال؟
وما الذي يحدث للمرأة التي عاشت تحت تلك القوة؟
ومن تُدار أجسادهن وحقوقهن بقرارات يصوغها آخرون؟
هل تستطيع هي أيضاً إعادة تعريف المسافة مع صاحب السلطة الجديد؟
ومن يملك حق إعادة تعريف ماضيه؟
ومن يُحبس داخل ماضيه؟
هذه الأسئلة لا تفترض أن الرجل يحتفظ تلقائياً بالسلطة أو أن المرأة تفقدها.
إنها تسأل عن قابلية الجسد لإعادة تعريف موقعه.
 
14.5 من يستطيع التحرك داخل الغموض؟
في حالة الانتقال من مواقع أمنية أو عسكرية سابقة إلى مؤسسات الدولة، تظهر مسألة أخرى في الجدول: ليس فقط تغير المواقع، بل استمرار أو إعادة تشكيل علاقات سابقة داخل البنية الجديدة. وتشير المادة إلى أن انتقال بعض العناصر لم يكن انتقالاً فردياً فقط، بل ظهرت أيضاً مؤشرات على انتقال بنى وقيادات سابقة إلى المؤسسة العسكرية والأمنية الجديدة.
 
وهنا نعود إلى مفهوم المسافة داخل السلطة.
قد تكون هناك مسافة بين:
الموقع الرسمي
والموقع الفعلي للقوة.
 
بين:
من يصدر القرار
ومن يستطيع التأثير فيه.
 
بين:
المؤسسة
وتاريخ الأشخاص الذين يشغلونها.
 
والعدسة الجندرية تضيف:
هل يستطيع الجميع التحرك داخل هذا الغموض بالدرجة نفسها؟
من يستطيع الاقتراب من مراكز القرار؟
من يستطيع المخاطرة؟
من يستطيع اختبار حدود السلطة؟
ومن يدفع ثمن سوء قراءة الغموض؟
إذا كانت المرأة مثلاً أكثر تعرضاً للمراقبة الاجتماعية أو أقل قدرة على الوصول إلى الشبكات غير الرسمية، فقد يصبح الغموض نفسه موزعاً جندرياً.
 
14.6 المسافة المعرفية: من يُصدَّق؟
وهنا تصل العدسة الجندرية إلى الطبقة الأخيرة.
المسافة ليست فقط بين الجسد ومكان القرار.
بل بين الجسد وما يعرفه.
من يستطيع الوصول إلى المعلومة؟
من يستطيع الكلام؟
ومن يُصدَّق عندما يتكلم؟
إذا وصفت امرأة تجربة تتعلق بالحركة أو الخوف أو القيود أو العنف، فهل تدخل شهادتها إلى المجال العام بوصفها معرفة قابلة للفحص؟
أم تُعاد إلى خانة:
«تجربة شخصية»؟
هذه ليست مسألة لغوية بسيطة.
لأن من يملك حق تعريف ما حدث يملك، جزئياً، حق تعريف المسافة نفسها.
ومن هنا تلتقي الجندر بالرواية:
من يملك حق تسمية ما حدث لجسده؟
ومن يملك اللغة التي تجعل التجربة مرئية سياسياً؟
 
14.7 الخلاصة الجندرية: المساواة ليست تماثلاً في القاعدة
تقودنا هذه العدسة إلى تعديل مهم في مفهوم المساواة.
لا تكفي المساواة في النص.
ولا يكفي أن تكون القاعدة واحدة.
ولا يكفي أن يُسمح نظرياً للجميع بالحركة.
 
المعيار الذي يهم هذا البحث هو:
هل يملك الأشخاص المختلفون قدرة متقاربة على التفاوض على المسافة، وتغييرها، ورفضها، وتحمل كلفة ذلك؟
 
فقد يكون:
الحق متساوياً، لكن القدرة غير متساوية.
 
وقد يكون:
الطريق مفتوحاً، لكن إمكان استخدامه غير متساوٍ.
 
وقد تكون:
المعلومة متاحة، لكن القدرة على الوصول إليها أو تصديقها غير متساوية.
 
وقد يكون:
الموقع الرسمي واحداً، لكن قابلية الوصول إليه وحمل تاريخه وإعادة تعريفه ليست واحدة بين الأجساد.
 
وهنا تصبح المساواة الجندرية اختباراً مباشراً لمقولتنا الأساسية:
إذا كانت المسافة مجالاً للإمكان، فإن عدم المساواة الجندرية قد تظهر بوصفها عدم مساواة في القدرة على هندسة هذا المجال. 

 
14.8 جدول تتبع من خلال العدسة الجندرية:
المجالماذا نرى؟عدسة المساواة الجندريةهنا نحتاج حفر أكثر
المسافة بين الأجسادتنظيم من يقترب ممن، ومن يجلس أين، ومن يستطيع الرفض أو الحركةهنا لا تكفي المساواة الشكلية. نحتاج أن نسأل: هل يملك النساء والرجال القدرة نفسها على الاقتراب، الانسحاب، الرفض، تغيير المكان، والظهور؟من يحدد المسافة؟ هل القاعدة واحدة لكن كلفة خرقها مختلفة؟ من يُراقَب أكثر؟ من يُعاقَب أكثر؟
المسافة الجغرافيةالحواجز، العزل، صعوبة الوصول والخروج والاتصالهنا لا توجد مساواة إذا كانت القدرة على الحركة موزعة جندرياً.من يستطيع مغادرة المنطقة؟ من يبقى؟ من يتحمل مسؤولية الأطفال/الرعاية أثناء الحصار أو النزوح؟ هل الخطر نفسه عندما تتحرك امرأة ورجل؟
المسافة داخل النظامعدم وضوح من يقرر، أين توجد القوة، ومن يمثلهاهنا قد تظهر لا مساواة أعمق: ليس فقط من يملك السلطة، بل من يستطيع التحرك داخل غموضها.هل عدم اليقين موزع بالتساوي؟ من يستطيع المخاطرة؟ من يستطيع الاقتراب من مراكز القرار؟ من يدفع ثمن سوء قراءة السلطة؟
المسافة المعرفيةالمسافة بين الجسد ومصدر القرار، وبين ما يحدث وما يستطيع الشخص معرفته وتسميته       من يملك حق المعرفة؟ ومن يُصدَّق عندما يتكلم.
من يملك إنتاج المعنى والشرعية
هل شهادة النساء تُعامل كمعرفة أم كخبرة شخصية فقط؟ من يستطيع الوصول للمعلومة؟ من يملك اللغة التي تصف ما يحدث؟
Header Header Header Header
المسافة بين الأجساد تنظيم من يقترب ممن، ومن يجلس أين، ومن يستطيع الرفض أو الحركة هنا لا تكفي المساواة الشكلية. نحتاج أن نسأل: هل يملك النساء والرجال القدرة نفسها على الاقتراب، الانسحاب، الرفض، تغيير المكان، والظهور؟ من يحدد المسافة؟ هل القاعدة واحدة لكن كلفة خرقها مختلفة؟ من يُراقَب أكثر؟ من يُعاقَب أكثر؟
المسافة الجغرافية الحواجز، العزل، صعوبة الوصول والخروج والاتصال هنا لا توجد مساواة إذا كانت القدرة على الحركة موزعة جندرياً. من يستطيع مغادرة المنطقة؟ من يبقى؟ من يتحمل مسؤولية الأطفال/الرعاية أثناء الحصار أو النزوح؟ هل الخطر نفسه عندما تتحرك امرأة ورجل؟
المسافة داخل النظام عدم وضوح من يقرر، أين توجد القوة، ومن يمثلها هنا قد تظهر لا مساواة أعمق: ليس فقط من يملك السلطة، بل من يستطيع التحرك داخل غموضها. هل عدم اليقين موزع بالتساوي؟ من يستطيع المخاطرة؟ من يستطيع الاقتراب من مراكز القرار؟ من يدفع ثمن سوء قراءة السلطة؟
المسافة المعرفية المسافة بين الجسد ومصدر القرار، وبين ما يحدث وما يستطيع الشخص معرفته وتسميته من يملك حق المعرفة؟ ومن يُصدَّق عندما يتكلم. من يملك إنتاج المعنى والشرعية هل شهادة النساء تُعامل كمعرفة أم كخبرة شخصية فقط؟ من يستطيع الوصول للمعلومة؟ من يملك اللغة التي تصف ما يحدث؟


15. من البحث إلى الميدان مرة أخرى
لا تنتهي الورقة بنظرية مغلقة.
بل تعود إلى الميدان.
لأن المبدأ المنهجي الذي ينظم هذا المشروع هو أن الميدان لا يأتي لإثبات المفهوم، بل يستطيع تغييره. التفكيك هنا عملية مفتوحة: تبدأ من الملاحظة، وتختبر الفرضية، ثم تسمح للواقع بإعادة تشكيلها.
لذلك يمكن تلخيص الحركة التي حدثت هنا هكذا:
الجسد ← المسافة ← الوكالة ← هندسة المسافة ← الصراع على إدارتها ← الصراع على روايتها ← عودة الأثر إلى الجسد.
 
لم نبدأ بهذا التسلسل.
الميدان هو الذي دفع المفهوم نحوه.
 
 
خاتمة
بدأ البحث من سؤال:
ماذا تعني المسافة للجسد؟
وانتهى مؤقتاً إلى سؤال مختلف:
من يملك المسافة؟
ليس بمعنى امتلاك المكان فقط.
بل امتلاك القدرة على الاقتراب والابتعاد والعبور والوصول والرفض.
ثم ظهر سؤال ثالث:
من يملك حق تعريف هذه المسافة؟
وهنا اتضح أن المسافة قد تكون مادية، لكنها ليست مادية فقط.
قد تكون جغرافية، لكنها قد تصبح سياسية.
وقد تكون بين جسدين، لكنها قد تمتد إلى المعرفة.
وقد تبدأ عند حاجز على الطريق، ثم تصل إلى قاعة امتحان، ثم إلى مستقبل طالب.
وقد يكون الصراع على المسافة صراعاً على الحركة، ثم على الوكالة، ثم على الرواية التي تقول لنا ماذا حدث أصلاً.
لهذا لا تقترح الورقة نظرية المسافات.
بل تقترح شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر قابلية للاختبار:
المسافة مجال تتوزع داخله إمكانات الحركة والوصول واللقاء والمعرفة، وتصبح هندستها ذات أثر سياسي عندما تتفاوت قدرة الأجساد والجماعات على تغييرها أو التفاوض عليها. وفي السياقات المتنازع عليها، قد يمتد الصراع من إدارة المسافة إلى تعريفها وروايتها، بحيث يصبح السؤال عن من يملك المسافة متداخلاً مع السؤال عن من يملك تفسير الواقع.
 
وهنا تعود الورقة إلى الجسد.
لأن المسافة، في النهاية، لا تبقى على الخريطة.
إنها تصل إلى الجسد.
في المكان الذي يستطيع أن يقف فيه.
وفي الطريق الذي يستطيع أن يعبره.
 
وفي الشخص الذي يستطيع أن يقترب منه.
وفي الجامعة التي يستطيع أن يصل إليها.
وفي الامتحان الذي يستطيع أن يقدمه.
وفي المعلومة التي يستطيع أن يعرفها.
 
وفي المستقبل الذي يصبح ممكناً أو مستحيلاً.
وجدنا أن المسافات نفسها تتحرك، وتتداخل، ويُتنازع عليها، ويُعاد تعريفها، وأحياناً يدخل الصراع عليها إلى الجسد نفسه.
وهنا، بدل أن يغلق البحث المفهوم، يعيده إلى الميدان.
 
وأظهرت العدسة الجندرية أن السؤال لا يتوقف عند معرفة من يملك المسافة، بل يمتد إلى سؤال أكثر دقة: هل تملك الأجساد المختلفة القدرة نفسها على تغييرها؟
 
بهذا المعنى، لا تكون المساواة الجندرية إضافة إلى نظرية المسافة، بل اختباراً لها.
فإذا كانت الوكالة تعني القدرة على الاقتراب والابتعاد والعبور والرفض وإعادة تحديد الحدود، فإن اختلاف القدرة على ممارسة هذه الأفعال يعني أن «مدى الإمكان» نفسه قد يكون موزعاً بصورة غير متساوية.
وألتقطت العدسة الجندرية طبقة جديدة: المسافة ليست فقط شيئاً يُهندَس؛ القدرة على هندسة المسافة نفسها موزعة اجتماعياَ وجندرياً وغير متساوية.
وهنا يعود البحث إلى الجسد.
 
ليس الجسد الذي نسأل فقط ماذا فُرض عليه، بل الجسد الذي نسأل: ما المسافة التي يستطيع أن يصنعها؟ وما المسافة التي يستطيع أن يرفضها؟ وما المسافة التي يُطلب منه أن يعيش داخلها؟ وما الكلفة التي يدفعها إذا حاول تغييرها؟
 
وربما يكون السؤال الأبعد الذي يتركه هذا البحث مفتوحاً هو:
هل يمكن أن نقيس العدالة لا فقط بما يحق للجسد أن يفعله، بل بمدى قدرته الفعلية على هندسة المسافة التي يعيش فيها؟
عند هذه النقطة، لا تعود المسافة مجرد مفهوم لقراءة المجال.
تصبح طريقة لقراءة توزيع الوكالة نفسه.
 
 
أسئلة العودة إلى الميدان
لا أريد أن نخرج من الورقة بعشرة أسئلة جديدة. أظن أن أربعة تكفي:
1. متى يتحول الخلاف على تسمية المسافة إلى جزء من السيطرة عليها؟
2. هل تختلف آثار المسافة بحسب الجهة التي تملك القدرة على تعديلها؟
3. هل يمكن أن توجد مسافة مادية واضحة بينما يظل الاعتراف السياسي بوجودها موضع نزاع؟
4. كيف ينتقل أثر إعادة هندسة المسافة من المجال الخارجي إلى سلوك الجسد نفسه، دون أن نفترض مسبقاً أن هذا الانتقال يحدث دائماً؟
ربما لا تكمن العدالة في أن تكون المسافة واحدة للجميع، بل في أن يمتلك الجميع القدرة على التفاوض عليها.
شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *