المسافة بوصفها مجالاً للإمكان والوكالة


المسافة بوصفها مجالاً للإمكان والوكالة
 
لم أبدأ التفكير في المسافة بوصفها مفهوماً.
بدأت من الجسد.
من تلك المسافة التي تبدو بسيطة جداً في البداية:
كم أقترب؟
متى أبتعد؟
هل أستطيع أن أقول لا؟
هل أستطيع أن ألمس؟
هل أستطيع أن أرفض اللمس؟
هل أستطيع أن أتحرك؟
وهل أستطيع، قبل كل ذلك، أن أقرر أين أقف؟
 
شيئاً فشيئاً بدأت أرى أن المسافة ليست مقداراً ثابتاً بين جسدين، ولا مجرد فراغ يفصل بين نقطتين.
المسافة هي مدى الإمكان.
هي المجال الذي يستطيع فيه الجسد أن يفعل، أو يمتنع، أو يقترب، أو يبتعد، أو يغيّر موقعه، أو يعيد رسم حدوده.
ومن هنا بدأت المسافة تظهر لي لا كشيء يقع خارج الجسد، بل كشيء يتتبّع سيادته.
فالجسد لا يوجد فقط في مكان.
إنه يعيش المكان من خلال ما يستطيع أن يفعله فيه.
 
وحين يستطيع الجسد أن يختار مسافته، فهو لا يختار مكانه فقط؛ بل يمارس جزءاً من وكالته على نفسه وعلى علاقته بالعالم.
وحين تُنتزع منه القدرة على هندسة مسافته، لا يُنتزع منه المكان فقط.
يُنتزع منه جزء من مجال احتماله.
وهنا تبدأ المسافة بالتحول من مفهوم هندسي إلى سؤال عن الجسد والسلطة والوكالة. 

 
المسافة ليست فراغاً
اعتدنا أن نفكر في المسافة بوصفها شيئاً موجوداً بين الأشياء.
لكن ماذا لو كانت المسافة موجودة أيضاً في قدرتنا على الفعل؟
المسافة بين جسدين ليست فقط عدداً من السنتيمترات.
قد تكون القدرة على الاقتراب دون خوف.
القدرة على الابتعاد دون عقاب.
القدرة على رفض اللمس.
القدرة على طلب القرب.
القدرة على تغيير المكان.
القدرة على الظهور أو الاختفاء.
القدرة على أن تقول:
هذه المسافة تناسبني، وهذه لا.
من هنا تصبح المسافة مجالاً للوكالة.
 
فإذا كانت المسافة تحدد، جزئياً، ما يستطيع الجسد فعله، فإن هندسة المسافة تصبح، جزئياً، هندسةً لمجال قدرة الجسد على الفعل.
وهذا لا يعني أن كل تنظيم للمسافة عنف.
هناك مسافة نحمي بها أنفسنا.
ومسافة نختارها.
ومسافة نتركها للآخر احتراماً لحدوده واعترافاً بوجوده.
المسألة تبدأ حين لا يعود للجسد حق التفاوض على مسافته.
حين تصبح المسافة مفروضة، ولا يمكن تغييرها أو رفضها أو إعادة رسمها إلا بثمن.
وهنا يظهر سؤال آخر:
ماذا يحدث حين لا تعود السلطة بحاجة إلى أن تفرض المسافة في كل مرة؟
ماذا لو تحولت القاعدة الخارجية إلى توقع داخلي؟
إلى عادة؟
إلى حذر؟
إلى إحساس مسبق بما يجوز وبما لا يجوز؟
عندها قد يحمل الجسد هندسة السلطة معه، حتى في غياب السلطة المباشر.
فالجسد لا يُراقَب فقط. الجسد يتعلم أن يراقب نفسه.

هل يمكن ان اسمي ذلك إعادة إنتاج العنف داخل الجسد.
ليس لأن الجسد أصبح عنيفاً.
بل لأن الجسد صار يحمل هندسة السلطة معه ويعيد تكرارها.
وحينها لا تعود السلطة بحاجة إلى أن تفرض المسافة كل مرة، لأن الفرد صار يتوقعها وينظم نفسه وفقها.
والأخطر عندما يعيد إنتاجها بأجساد غيره.
هنا تصبح السلطة أكثر كفاءة وأقل ظهوراً.
 
لا أريد أن أقول إن الشخص «يمارس العنف على نفسه» وكأنه المسؤول عن ذلك.
الأدق أن أقول:
النظام العنيف يستطيع أن يجعل بعض شروطه الخارجية تتحول إلى تنظيم داخلي للسلوك.
أي أن:
السلطة الخارجية ← تصبح قاعدة سلوكية ← تصبح توقعاً ← تصبح عادة جسدية ← تصبح إحساساً بما هو ممكن وما هو غير ممكن.
وهنا تتغير كلمة «الإكراه».
الإكراه في البداية يأتي من الخارج.
ثم يصبح أحياناً:
إكراهاً متوقعاً وعنفاً داخلياً.
هنا نستطيع أن نسأل:
كيف يُجعل الجسد قادراً على تكرار ما يحتاجه النظام؟
ومتى يصبح التكرار عادياً إلى درجة أننا لا نعود نراه كفعل سياسي؟

وهذا السؤال ليس غريباً عن نقطة انطلاق المشروع نفسه؛ فالمشروع لا يبحث فقط في كيفية حكم الأجساد، بل في كيفية تحوّل الحكم إلى شيء محسوس داخلها.
 

من يملك حق هندسة المسافة؟
إذا كانت المسافة قابلة للهندسة، فلا بد أن نسأل:
من يملك حق هندستها؟
ومن يستطيع تغييرها؟
ومن يستطيع رفضها؟
ومن يدفع ثمن رفضها؟
وهل تتوزع القدرة على هندسة المسافة بالتساوي بين الأجساد؟
قد لا تكون المسألة في المسافة ذاتها.
قد تكون في توزيع القدرة على تغييرها.
فقد يكون شخصان في المكان نفسه، لكن أحدهما يستطيع أن يتحرك والآخر لا.
قد تكون الأبواب مفتوحة، لكن الحركة ليست بالضرورة ممكنة.
وقد تكون المسافة متاحة من الناحية الشكلية، بينما تصبح إعادة رسمها مكلفة اجتماعياً أو سياسياً أو أمنياً.
وقد يبدو الابتعاد اختياراً، بينما يكون في الحقيقة نتيجة لخوف لم يعد يحتاج إلى أمر مباشر.
 
لهذا أريد أن أتعامل مع المسافة بوصفها مجالاً يمكن أن يحمي الوكالة، ويمكن أيضاً أن يُستخدم لتقليصها.
السؤال ليس فقط:
كم تبعد؟
بل:
هل تستطيع أن تغيّر المسافة؟
ومن يملك القدرة على تغييرها؟ ومتى تتحول إدارة المسافة من تنظيم للعلاقة إلى سلب للوكالة؟
انطلاقاً من ذلك، أسأل في السياق السوري: من يملك حق هندسة المسافة؟
ثلاث مساحات أراقبها
هنا لا أتعامل مع الفراغ باعتباره «لا شيء»، بل باعتباره مجالاً يمكن أن يُملأ بالقوة أو الأمر أو التهديد، أو يُترك مفتوحاً للعلاقة والاعتراف.
في الواقع الذي أعيش وأراقب داخله، بدأت تظهر لي ثلاث مساحات مختلفة ظاهرياً.
لا أعرف بعد إن كانت تنتمي إلى بنية واحدة.
ولا أريد أن أعرف قبل أن أراها.
هذه ليست نتائج.
إنها مساحات ملاحظة.
أدخل إليها بالسؤال، لا بالإجابة.
وهذا مهم بالنسبة لمنهج المشروع؛ فالتفكيك هنا ليس وسيلة لإثبات ما أعتقد أنه موجود، بل عملية تسمح للواقع بأن يعيد تشكيل المفهوم نفسه.


المساحة الأولى: المسافة بين الأجساد )الفصل بين الذكور والإناث(
لماذا تُفصل أجساد عن أجساد؟
ولماذا يصبح الجسد نفسه مجالاً لتنظيم القرب والابتعاد؟
يظهر السؤال بوضوح حين يتعلق الأمر بالنساء والرجال، وبالطريقة التي يُنظَّم بها وجود الجسد في المكان العام.
لكن السؤال بالنسبة لي ليس فقط:
لماذا توجد هذه المسافة؟
بل:
من قررها؟
ومن يملك تعديلها؟
وهل يستطيع صاحب الجسد أن يفاوض عليها؟
هل تستطيع المرأة أن تقترب؟
وهل تستطيع المرأة أن تفاوض على المسافة التي تفصلها عن الآخر؟
هل تستطيع أن تبتعد؟
هل تستطيع أن ترفض القرب؟
هل تستطيع أن تختار أن تكون في المكان أصلاً؟
وما الذي يحدث عندما تصبح المسافة بين الأجساد قاعدة اجتماعية تُمارَس قبل أن تُطلب؟
 
هنا أريد أن أراقب الجسد لا بوصفه مجرد موضوع لقاعدة، بل بوصفه مكاناً تظهر فيه آثار القاعدة.
كيف يتحرك؟
كيف يتوقف؟
كيف يتوقع؟
كيف يتجنب؟
كيف يعرف المسافة التي «ينبغي» أن يحافظ عليها قبل أن يفكر فيها؟
لا أعرف بعد ماذا تعني هذه العلامات.
ولهذا يجب أن تبقى في الميدان أولاً.
وأن انتقل إلى طرح بقية أسئلتي:
هل يمكن لإعادة هندسة المسافة بين الأجساد أن تعيد هندسة ما يمكن أن تعرفه هذه الأجساد عن بعضها؟
هل إذا قلّ اللقاء بين الأجساد، تقل فرص التفاعل اليومي، وتقل فرص اختبار تصوراتنا عن الآخر من خلال علاقة مباشرة.
هل يمكن أن تنتج المسافة الجسدية مسافة معرفية؟
عندما نقترب اكثر من هذا التسلسل:
قلة اللقاء ← قلة المعلومات المباشرة ←الاعتماد أكثر على الصور والخطابات والتصنيفات ← احتمال أكبر لسوء القراءة.
ولذلك يمكن أن تصبح المسافة الجسدية ليست فقط مسافة مكانية، بل مسافة معرفية.
يمكن أن نضعهما كمسارين متجاورين:
المسافة الجسدية:
ماذا يحدث عندما يُعاد تنظيم إمكانية اللقاء بين الأجساد؟
المسافة المعرفية:
ماذا يحدث عندما لا يعود الفرد يعرف الآخر أو يستطيع قراءة موقفه؟
هل يمكن أن تنتج المسافة الجسدية مسافة معرفية؟
وهنا سوف ابدأ من شيء مادي جداً:
رجل وامرأة لم يعودا يجلسان في المكان نفسه، يتحركان بالطريقة نفسها، يلتقيان، يتفاعلان، يتبادلان الإشارات…
ثم قد نصل إلى شيء أقل مادية:
لم أعد أعرفك.
ثم إلى شيء سياسي:
لذلك أحتاج إلى وسيط، قاعدة، حارس، سلطة، فتوى، تصنيف، قانون، أو جهاز يحدد لي كيف أتعامل معك.
لكننا لا نقول إن هذه هي النتيجة.
نقول:
هل يحدث شيء من هذا؟ وكيف؟
ونرى الحاجة الى وسيط هنا يقدم دعوة مجانية للتحكم والسيطرة لتعبئة الفراغ لتنظيم العلاقة.
وعند هندسة المسافة يعاد معها هندسة العلاقة وهنا استطيع ان اسأل :
كيف تُعاد هندسة العلاقات بين الأجساد بحيث يصبح العنف أسهل، والاعتراف المتبادل أصعب؟
برأيي:
الهندسة العنفية للمسافة قد تحاول تضييق الاحتمالات:
لا تقترب.
لا تتحرك.
لا تعبر.
لا تسأل.
لا تعرف.
لا تتوقع.
أما الهندسة اللاعنفية للمسافة، يمكن أن تصبح استعادة لحيز الاحتمال واستعادة لشروط اللقاء والاعتراف والقدرة على قراءة الآخر كجسد حي.
 

المساحة الثانية: المسافة الجغرافية
وهنا ننتقل من الجسد كمساحة مقسمة إلى الجغرافيا كجسد مقسم.
نستند  في مراقبة هذه المسافة على السياق السوري (تجربة السويداء) جرى عزلها عن مناطق أخرى، فالسؤال ليس فقط:
لماذا عُزلت؟
بل:
ماذا يفعل العزل بإمكانية أن ترى المناطق بعضها بعضاً؟
هل يعرف أهل منطقة ما ما يحدث في المنطقة الأخرى؟
هل تصل الأخبار؟
هل تتشكل صورة الآخر من تجربة مباشرة أم من روايات جاهزة؟
هل يصبح سكان المنطقة المعزولة «آخراً»؟
هل يصبح التضامن أصعب؟
هل يستطيع التمرد أن ينتقل؟
وهنا ايضاً تظهر سلسلة جديدة:
عزل جغرافي ← تقليل اللقاء ← تقليل التواصل ← زيادة الاعتماد على الروايات الوسيطة ← احتمال زيادة سوء القراءة ← زيادة عدم اليقين.
 
هذا الفراغ الناشئ عن غياب التواصل الحسي الحي يصبح ميداناً مثالياً لتدفق العنف. يسهل على النظام والبيئة ملء هذه المسافة المشوهة بالتحرش، والشيطنة، واضطهاد الآخر؛ لأن الأجساد لم تعد تلتقي لتقترح علاقة اعتراف ومشاركة، بل باتت تتحرك كجزر معزولة يسهل ضرب بعضها ببعض لاستمرار عمل النظام.


فالمسافة هنا لا تقع بين جسدين، بل بين مكان ومكان.
بين منطقة ومركز.
بين جماعة وبقية المجال.
بين مكان يستطيع أن يصل، ومكان يصبح الوصول إليه أصعب.
هنا تصبح الجغرافيا نفسها موضعاً للسؤال.
ماذا يحدث حين تُعزل منطقة؟
حين تُقيّد حركتها؟
حين تصبح إمكانية الوصول إليها أو الخروج منها أو التواصل معها مختلفة عن غيرها؟
لا أريد أن أبدأ من افتراض أن كل تقييد جغرافي يعني الشيء نفسه.
ماذا يحدث سياسياً عندما يصبح الوصول إلى مكان ما أصعب؟
عندما تُقطع الطرق، أو تُحاصر منطقة، أو يُمنع الغذاء، أو يُفرض حظر تجول، فإن السلطة لا تتحكم فقط في الأرض.
إنها تتحكم في المسافة التي يستطيع الإنسان أن يقطعها.
وهنا تصبح الجغرافيا نفسها جسداً.
الطريق يصبح شرياناً.
الحاجز يصبح مفصلاً.
الحدود تصبح جلداً.
والحصار يصبح هندسة للمسافة.
وإذا كانت منطقة ما تحمل ذاكرة أو معنى سياسياً خاصاً لدى سكانها، فماذا يحدث حين تتغير علاقتها بالمركز أو بالمناطق الأخرى؟
هل تتحول الجغرافيا من مساحة للعيش إلى وسيلة لإعادة توزيع القدرة على الفعل؟
وهل يمكن أن تنتج المسافة الجغرافية مسافة سياسية؟
هذا أيضاً سؤال يجب أن يبقى مفتوحاً.
 

المساحة الثالثة: المسافة داخل النظام نفسه
وهذه ربما أكثر المساحات إرباكاً.
ظهور السلطة وكأنها منقسمة إلى أطراف أو طبقات مختلفة، مثل صورة «مدني/ديمقراطي» مقابل «متطرف»، بما قد ينتج عدم يقين مجتمعي حول: من هو الخصم؟ أين توجد السلطة فعلاً؟ وما العلاقة بين صورها المختلفة؟
والخيط الذي بدأ يثيرني جداً هو أن المسافة نفسها قد لا تكون مجرد نتيجة، بل ربما تكون شيئاً يمكن للسلطة أن تعيد هندسته.
المسافة بين ما يُقال وما يُفعل.
بين المؤسسة والجهة التي تمارس القوة.
بين الخطاب المدني والممارسة على الأرض.
بين من يفترض أن يملك القرار ومن لا نعرف تماماً أين يبدأ نفوذه وأين ينتهي.
هنا لا تكون المشكلة في أن السلطة بعيدة فقط.
بل في أننا قد لا نعرف أين توجد السلطة أصلاً.
من يقرر؟
أي قاعدة ستُطبَّق؟
على من؟
ومتى؟
وبالتالي الشخص الموجود تحت السلطة لا يستطيع بسهولة أن يعرف:
من صاحب القرار؟
من يملك القوة؟
هل هؤلاء خصوم فعلاً؟
هل أحدهما يقاوم الآخر؟
هل هناك حدود بينهما؟
من المسؤول عن ماذا؟
وهنا يصبح عدم اليقين نفسه جزءاً من التجربة السياسية.
ولا أريد الآن أن نسمي هذا «خداعاً» أو «مسرحية» أو نقول إن الطرفين متفقان؛ هذه نتائج يجب أن تستند إلى مادة وأدلة.
لكن يمكنني أن افتح مجموعة اسئلة:
ماذا يحدث عندما تُنتج السلطة صورة عن نفسها بوصفها منقسمة؟
هل عدم اليقين هذا ممكن ان يكون جزءاً من عمل النظام نفسه؟
 
هل يمكن أن يؤدي الانقسام الظاهر داخل السلطة إلى إخفاء البنية التي تجعل الطرفين جزءاً من منظومة السيطرة نفسها؟
هنا تظهر لي فرضية أريد اختبارها، لا نتيجة أريد إثباتها:
ربما تستطيع بعض أنماط الأنظمة العنفية أن تنتج اليقين قسراً بالقوة، بينما تستطيع أنماط أخرى أن تستخدم عدم اليقين نفسه
في تنظيم السلوك والسيطرة.
هل يمكن للسيطرة أن تعمل ليس فقط عبر إنتاج اليقين القسري، بل أيضاً عبر إنتاج عدم اليقين بين الناس؟
في الحالة الأولى، قد يعرف الجسد مصدر القوة، فيعيد ترتيب مسافته على أساس قوة مفروضة واضحة.
لأن النظام قد يقول لكِ أحيانًا:
هذا ممنوع.
وهذا شكل واضح من السلطة.
وفي الحالة الثانية، قد لا يعرف الجسد من يقرر، أو أي قاعدة ستُطبق، أو متى يمكن أن تتغير القاعدة.


فيصبح عدم اليقين نفسه جزءاً من البيئة التي يتحرك داخلها.
وعندها قد لا يحتاج الأمر إلى أمر مباشر.
يكفي أن يبدأ الجسد بالحساب.
أن يتوقع.
أن يحتاط.
أن يختار مسافة أكثر أماناً مما طُلب منه.
عندها يبدأ الشخص في تنظيم نفسه بنفسه.
وهنا نعود إلى الجسد.
الجسد لا يحتاج في كل لحظة إلى شرطي أمامه.
قد يكفي أن يصبح الآخر غير متوقع.

وهنا يصبح السؤال:
ماذا يفعل اليقين، وماذا يفعل عدم اليقين، بمجال الإمكان لدى الجسد؟

هل يمكن أن تكون ايضاً هذه المسافة معرفية؟
كلما اقتربت من هذه الأسئلة، بدأت أشك بأن المسافة ليست جسدية أو جغرافية فقط.
قد تكون أيضاً معرفية.
أن تكون بعيداً عن القدرة على معرفة من يقرر، يعني أن تكون بعيداً عن القدرة على التنبؤ بالفعل.
وأن تكون بعيداً عن المعلومة، قد يعني أن تكون بعيداً عن القدرة على اتخاذ القرار.
قد تكون هناك مسافة بين الإنسان وما يعرفه.
وبين الإنسان ومصدر القرار.
وبين ما يراه وما يستطيع فهمه.
وبين ما يحدث وما يستطيع تسميته.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة:
 
هل يمكن أن تُهندس المسافة معرفياً كما تُهندس جسدياً وجغرافياً؟
وهل يمكن أن يصبح عدم اليقين نفسه مسافة؟
وهل يمكن أن تتسع المسافة بين الجسد ووكالته كلما اتسعت المسافة بينه وبين المعرفة؟
لا أعرف.
وهذا هو سبب أهمية السؤال.

 
ماذا أبحث عنه؟
لا أريد في هذه المرحلة أن أقرر أن المساحات الثلاث متشابهة.
أريد أن أرى إن كانت تشترك في خصائص معينة.
هل المسافة دائماً علاقة؟
هل هي قابلة للتغيير؟
هل يمكن فرضها
هل يمكن أن تكون مختارة؟
هل تحمي؟
هل تعزل؟
هل تفتح مجالاً للاختيار أم تغلقه؟
هل يمكن أن تتحول من شيء خارجي إلى عادة داخل الجسد؟
وهل يمكن أن تصبح المسافة أداة لإدارة الوكالة دون أن تبدو كذلك؟
 
ثم هناك السؤال الذي ربما يقف خلف كل هذه الأسئلة:
متى تكون إدارة المسافة حمايةً للوكالة، ومتى تصبح انتزاعاً لها؟
ربما لا يكون الفرق في وجود الحدود.
بل في القدرة على التفاوض عليها.
ربما ليست المسافة اللاعنفية هي المسافة القريبة، ولا البعيدة.
بل المسافة التي يبقى فيها للآخر مجال للاختيار.
المسافة التي تسمح بالاقتراب دون اقتحام.
والابتعاد دون إقصاء.
والرفض دون عقوبة.
والتغيير دون خوف.
لكن حتى هذه الجملة أريد أن أتركها مفتوحة.
 
فالمشروع لا يدخل الحقل بنظرية مكتملة، بل يدخل بما يكفي من الأسئلة كي يسمح للواقع بأن يعيد تشكيل اللغة نفسها. وهذا جزء أساسي من فكرة «المجهول البيئي» في الوثيقة التأسيسية: المجهول ليس نقصاً ينبغي ملؤه بسرعة، بل كثافة لما لم نتعلم بعد كيف نراه ونفكر فيه.
 
 
من الجسد إلى المسافة
ربما تكون المسافة إحدى الطرق التي يمكن من خلالها قراءة سياسة الجسد.
ليس لأن الجسد محاط بمسافات فحسب.
بل لأن السلطة قد تظهر في من يستطيع أن يختار مسافته، ومن لا يستطيع.
في الوقوف.
في الجلوس.
في الاقتراب.
في الابتعاد.
في الصمت.
في الرفض.
في الحركة التي لا تحدث.
وفي الحدود الصغيرة التي يرسمها الجسد كل يوم.
إذا كانت السلطة تصنع قوتها عبر هندسة المسافات، فهل يمكن للاعنف أن يكشف هذه الهندسة، ويعيد المسافة إلى أصحابها بوصفها مجالًا للاختيار؟
واذا كان اللاعنف احد ادواتنا فلا يجب ان نسأل فقط عن شكل الحركة وحده؛ بل يجب أن نسأل عن حرية الحركة التي أنتجها.
وهذا يلتقي مع الفكرة المؤسسة للمشروع: أن الفعل السياسي لا يقاس فقط بما يُقال، بل بما تفعله الأجساد في الفضاء العام والخاص؛ كيف تتحرك، وكيف تحضر، وكيف تصمت، وكيف ترفض، وكيف تعيد تعريف حدودها بحرية.
لذلك، ربما لا تكون المسافة مجرد موضوع جديد نبحثه.
ربما تكون أداة لرؤية ما يفعله النظام بالجسد دون أن يلمسه مباشرة.
وربما تكون أيضاً أداة لرؤية ما يستعيده الجسد حين يستعيد قدرته على الاختيار.

إذا تحكم أحدهم بالمسافة، فهو لا يتحكم فقط بمكاني؛ بل بجزء من احتمالات فعلي.
وهنا تدخل الوكالة.
إذا لم أستطع الاقتراب، فقد فُقد احتمال الاقتراب.
إذا لم أستطع الابتعاد، فقد فُقد احتمال الابتعاد.
إذا لم أستطع عبور الطريق، فقد فُقد احتمال الوصول.
إذا لم أعد أعرف من صاحب القرار، فقد فُقد احتمال التصرف على أساس معرفة.
لكن هناك طبقة أعمق:
 كيف أدير شيئاً لا أشعر بوجوده؟
لأن سلب الوكالة لا يحدث فقط عندما يُمنع الجسد من الاختيار.
قد يحدث قبل ذلك:
عندما يُعاد تشكيل إحساس الجسد بما هو ممكن أصلاً.
 
لا أعرف بعد
هذه المقالة لا تريد أن تقدم نظرية عن المسافة.
ولا تريد أن تثبت أن المساحات الثلاث متشابهة.
ولا تريد أن تقول إن كل مسافة مفروضة هي عنف.
هي فقط تريد أن تفتح باباً.
 
أن تقول إنني بدأت أرى المسافة بطريقة مختلفة:
ليست فقط المسافة بيني وبين الآخر.
إنها المسافة بين ما أستطيع أن أفعله وما لا أستطيع.
بين ما أختاره وما أتجنبه.
بين جسدي والمكان.
بين جسدي والجسد الآخر.
بين الجسد والجغرافيا.
بين الجسد والمعرفة.
وربما بين الجسد والسلطة.
 
وهذا يدفعني لأفكر أنه: إذا تحكم أحدهم بمسافتي، فهو لا يتحكم فقط بمكاني؛ بل بجزء من احتمالات فعلي.
وهنا تدخل الوكالة.
إذا لم أستطع الاقتراب، فقد فُقد احتمال الاقتراب.
إذا لم أستطع الابتعاد، فقد فُقد احتمال الابتعاد.
إذا لم أستطع عبور الطريق، فقد فُقد احتمال الوصول.
إذا لم أعد أعرف من صاحب القرار، فقد فُقد احتمال التصرف على أساس معرفة.
ربما تكون استعادة الوكالة، في هذا المعنى، أعمق من استعادة حرية الحركة. إنها استعادة القدرة على الإحساس بالمسافة أصلاً، ومعرفتها، والتفاوض عليها، وإعادة رسمها.
لأنني لا أستطيع أن أدير مسافة لا أشعر بوجودها، ولا أختار داخل مجال لا أعرف أنه موجود.
 
لذلك سأدخل الآن إلى المساحات الثلاث لا لأثبت هذه الفكرة، بل لأختبرها.
سأذهب إلى الميدان لأرى ما يحدث قبل أن أسميه.
وسأذهب إلى البحث لأختبر ما أراه، وأضعه أمام المعرفة، وأسمح لها أيضاً بأن تعيد تشكيله.
 
فالميدان يسجل ما رأيت.
والبحث يسأل ماذا يعني.
والكتابة تسأل ماذا يعني لي أن أعرف ذلك.
 
ثم نعود.
من الجسد إلى البنية.
ومن البنية إلى الجسد.
من الملاحظة إلى السؤال.
ومن السؤال إلى معرفة قد لا تكون هي المعرفة التي توقعناها.
هذه ليست نهاية المقالة.
إنها بداية المسافة.
 
[الميدان → المساحات الثلاث]


الميدان يربك الفرضية
لم يعد الميدان يسمح لنا بالقول إن المسافة هي موضوع الصراع وحده.
بدأ يظهر أن الصراع قد يكون على من يملك حق هندسة المسافة، وعلى من يملك حق تغييرها، وعلى من يملك حق تسميتها.
الطريق قد يكون مفتوحاً في رواية، ومغلقاً في أخرى.
القرار قد يكون منعاً في تجربة، وتنظيماً في رواية السلطة.
المنطقة قد تكون محاصرة في رواية، وغير محاصرة في رواية أخرى.
ماذا يحدث عندما يصبح الصراع على المسافة صراعاً على حقيقة المسافة؟
 
[البحث → الصراع على هندسة الأجساد والمجال والرواية في سوريا]
 
Share this

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *